سميح عاطف الزين
539
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
إلّا أنّهم في الوقت نفسه بشر مثلنا ، وعندهم الجبلة الإنسانية التي عندنا ، فتمتلىء قلوبهم بالحزن على فراق إنسان عزيز . فكيف إذا كان القلب قلب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبيّ الرحمة ، والإنسان العطوف الرؤوف الذي يحمل المشاعر الإنسانية السامية ؟ . . وكيف لنفسه الشريفة الزكية ألّا تتفجع حيال موت عمّه أبي طالب ، الذي رافق جلّ حياته لحظة بلحظة ، وقد كانت معبأة بالأحداث العظيمة ، ومليئة بالتطورات المتلاحقة ، وكان هذا العم يشهدها كلّها ، ويعايشها ويتفاعل معها ، بذاتية القائد الواعي ، وعقلية الشيخ الحكيم . . ثم ها هو يراه الآن يذهب في الرحلة التي لا رجوع منها ، وقد خلّف وراءه ذلك الفراغ الكبير ، الذي لا يمكن لغيره - مهما كانت مكانته - أن يشغل أكثر من حيّز بسيط في ذلك المدى الواسع البعيد الذي كان يملأه . . الفاجعة كبيرة حقا على رسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . ولكنّ الأحبة كثيرون - والحمد للّه - من حوله . فهذه رفيقة العمر ، وشريكة الحياة ، وخدينة البذل والعطاء ، زوجه خديجة بنت خويلد ( رضي اللّه عنها ) ، أم المؤمنين الأولى ، الصادقة الصدوقة ، إلى جانبه ، ولن تتواني عن بذل كل ما يمكن أن يخفف من آلامه حيال الفاجعة . وإنها طوال حياتها كانت مثالا للعطاء ، ونموذجا للوفاء ، وعنوانا لعون زوجها محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . وما أدراك بما بذلت وبما أعطت ، فالتاريخ يشهد لها بأنها وما ملكت معنويا وماديا ، قد وهبته للّه ولرسوله ، طائعة ، مختارة ، راضية مرضية . لقد صارت ، بعد أبي طالب ، الملاذ الذي يأوي إليه